بورقيبة والإسلام

 

نظم منتدى الجاحظ  بالإشتراك مع دار الجنوب للنشر يوم السبت 29 جانفي 2005 ندوة فكرية في فضاء التياترو بمناسبة صدور كتاب الأستاذ لطفي حجي " بورقيبة والاسلام: الزعامة والإمامة" وذلك بمشاركة المؤلف والأستاذين عياض بن عاشور وعدنان منصر. وأثارت المداخلات جدلا واسعا بين الحاضرين.

 

 

تقديم الأستاذ صلاح الدين الجورشي

 

يسعدني باسم الهيئة المديرة لمنتدى الجاحظ أن أرحب بكم جميعا وأن أشكركم على الاستجابة لدعوتنا لمناقشة موضوع نعتقد أنه هام لأنه يتعلق بشخصية ليست عادية، لعبت دورا محوريا في حياة التونسيين لفترة تجاوزت نصف قرن هذه الشخصية الأساسية في حياتنا كانت تتمثل في مؤسس هذه الدولة. وقبل أن يؤسسها كان قائدا للحركة الوطنية التونسية ونقصد المرحوم الزعيم الحبيب بورقيبة، ونعتقد أنه رغم ما كتب عن هذا الرجل ثمة جوانب عديدة في شخصيته وفي سياساته تحتاج إلى توقف وتأمل ومراجعة وبحث و استقصاء وخاصة تسليط الأضواء لأولئك الذين عاشروه عن قرب سواء كانوا معه في الحكم أو ضده في المعارضة.

 وعلاقة بورقيبة بالإسلام هي من القضايا المثيرة للجدل التي تعتبر من العوامل الرئيسية في تكوين الشخصية التونسية. فكيف تعامل هذا الزعيم وهذا القائد وهذا الرئيس مع هذا المحور الأساسي في الشخصية التونسية ؟ هل كانت له رؤية بعيدة المدى ؟ هل كانت له آلية لإدارة العلاقة بهذا الدين ؟ كيف وظّف المسألة الدينية ؟ هل كان لحكوماته المتعاقبة سياسات واضحة في المسألة الإسلامية ؟ هذه الأسئلة ليست إلا جزءا من أسئلة أخرى و محاور نتمنى أن نثريها في نقاشنا اليوم. ويعتبر الكتاب الذي أصدره الصديق لطفي حجي أحد مداخل النقاش التي نتمنى أن تكون شاملة أكثر مما ورد في الكتاب، نقاشا ثريا نتمنى أن ينبثق عن إطار ندوتنا أكثر من وجهة نظر حول هذه المسألة المحورية والإستراتيجية. ولذلك يسعدنا أن يكون بيننا الأستاذ الذي له مساهمات علمية تتجاوز الإطار التونسي لتصبح مرجعا من المراجع الأساسية في الفكر العربي الحديث عياض بن عاشور الذي سيتولى تقديم الكتاب تقديما عاما مع إبداء ملاحظات عامة و سيتولى الباحث الأستاذ عدنان منصّرالذي اهتم بشخصية بورقيبة أن يقدم كتابه هو ثم سيتكلم الأستاذ أحمد ونيس باسم دار الجنوب التي أخرجت هذا الكتاب وطبعا معنا المؤلف الصديق لطفي حجي.

مداخلة الأستاذ عياض بن عاشور

حضرات السادة والسيدات، ها نحن مرة أخرى مع تونس والإسلام وهذه المرة مع كتاب الصديق لطفي حجي : بورقيبة والإسلام الزعامة والإمامة وهو من منشورات دار الجنوب.

 وقد سمعنا الكثير واطلعنا على بحوث عديدة في الحقل الذي هو محل اهتمام المؤلف وكانت الآراء تختلف جدا عن الرئيس الحبيب بورقيبة و تعامله مع الإسلام و الهيكلة الدينية في تونس فهناك من كفره انطلاقا من  رؤية دينية صارمة متشددة حدثنا عنها المؤلف وأدلى في شأنها بوثائق منها فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز وبعض علماء رابطة العالم الإسلامي وهناك من رأى فيه رائدا من رواد التيار اللائكي متوسط المنزلة بين علمانية قصوى هي علمانية كمال أتاتورك وعلمانية دنيا تأويلية  وهي التي تسعى إلى تأويل الدين حسب الظروف والمقتضيات التاريخية داخل الإسلام وخارجه.

 وهناك من قال انه كان معاديا للهوية العربية الإسلامية سعيا منه إلى تغريب المجتمع الإسلامي وإلى تحقيق التأله لنفسه وإلى وحدوية سلطته فقام صاحب الكتاب : بورقيبة والإسلام بتفنيد هذه الآراء والتأويلات حول مؤسس الجمهورية التونسية عارضا علينا طرحه في المسألة وهذا الطرح هو علاقة الفكر البورقيبي بالحركة الإصلاحية وهي كما يقول المؤلف علاقة امتداد وتجاوز في الآن نفسه وقد أطنب المؤلف فيما أسماه النظرة الخيرية أي  الأفكار والعمل السياسي والإنجازات التي حققها رائد الحركة الإصلاحية في تونس  الوزير خير الدين باشا وقد تواصل التعبير عن طموحاته مع حركة الشباب التونسي وصحيفة الحاضرة سنة 1888 تحت مسؤولية البشير صفر وعلي بوشوشة ثم عبر الجمعية الخلدونية التي تأسست سنة 1896 برئاسة محمد الأصرم ثم صحيفة التونسي وعلي باش حانبه ويرى المؤلف أن النظرة الإصلاحية أثرت حتى على الشق المتمثل في أساتذة الزيتونة ومشائخها مثل الشيخ سالم بوحاجب والشيخ محمد بيرم الخامس والشيخ محمد الطاهر بن عاشور.

 فالبورقيبية هي حينئذ الجمع بين دور المصلح ووظيفة السياسي كما يقول صاحب الكتاب يقول :" قد توفرت لبورقيبة ما لم يتوفر لغيره أي جهاز الدولة المستقلة والحزب الحاكم والقوة الكارزمية " والنتيجة تتمثل في الحقيقة في تحول نوعي يرتكز على عنصرين الأول مادي وعملي والثاني نظري واعتقادي .

 أما العنصر العملي فيتعلق بما أسماه المؤلف دولنة الإسلام وفي هذه النقطة يتجسد التحول النوعي حيث أن الفارق الجوهري بين الدولة الحديثة والدولة التقليدية يكمن في أن الأولى خادمة للدين طبقا للتعريف العتيق للسياسة والخلافة عند المتكلمين والفقهاء وأن الثانية تضع الدين في خدمة مشروعها وطموحاتها وهذا في الحقيقة معنى الفصل الأول من الدستور التونسي.

أما العنصر الثاني فهو التأويل البورقيبي للإسلام المؤسس على العقل والقيمة الحضارية للإسلام والاجتهاد في تطبيق القواعد الشرعية وفي هذا المضمار يذكرنا لطفي حجي بعدة عوامل هي الآتية:

1- يذكرنا أولا أن بورقيبة كثيرا ما استخدم الدين في النضال القومي ضد الاستعمار في عدة مناسبات مثل قضية الحجاب والسفساري  وقضية  التجنيس ودافع عن مواقف وآراء حتى لكأنك مع زعيم فكر سلفي على حد عبارة المؤلف .وهذه المواقف تندرج في السياسة التي استطاعت بها النخبة السياسية السيطرة على تاريخ تونس المعاصر

 2- و يذكرنا المؤلف ثانيا بـأنه لا يحكم على الإسلام بأنه أداة التدهور والتأخر بل هو قوام الحضارة والتقدم على شرط أن يفهم في ضوء منهاج تنويري وتقدمي وتحرري.

3- و يذكرنا ثالثا أن بورقيبة- من هذا المنطلق- يضع نفسه في عداد المجددين للدين الإسلامي فهو يستند إلى النص القرآني متفقها في معانيه متكلفا إفهامه ، والآيات المفضلة عنده معروفة " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "  أو " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" واستخدام المعجم القرآني أو معجم الحديث النبوي إنما يرمي إما إلى تزكية سياسته إيجابيا وإما إلى انقلاب الفهم المعرفي داخل البنية الدينية نفسها وهو ما فعل في قضية رمضان عندما وظف حديثا ورد بموطأ الإمام مالك وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال : "تقووا على عدوكم" فجعل الكلمة افطروا  لتقووا على عدوكم وصير الجهاد جهادا أكبر على عدو أكبر وهو التخلف ، واتبع الرئيس المنهاج نفسه عند وضعه مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956  حيث كان الاعتماد على روح الإسلام ومقاصده وكلياته اقتداء بمنهج الطاهر الحداد وقاسم أمين ومحمد عبده  وعلال الفاسي وعلي عبد الرازق ،  إذ أخذ كل واحد منهم  بالمقاصد والكليات لا بالمعاني الحرفية لإصلاح الوضعية الاجتماعية المتدهورة في العالم الإسلامي، فأشعرنا بكيفية الاجتهاد المستقيم في آيات التعدد " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " أو " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم " وحتى الآية التي تعتبر آية جواز التعدد وهي الآية الرابعة من سورة النساء " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء " فقد أوّلها على أنها تقصد حماية اليتامى ولا تقصد إباحة التعدد.

 وهذا البعد التأويلي اعتمده الرئيس بورقيبة في جميع معارك الإصلاح مثل اعتماد الحساب الفلكي عوضا عن رؤية الهلال البصرية ، وقضية منع الإفراط في الأضحية لحماية الصالح العام الاقتصادي وتحديد السفر إلى البيوت المقدسة تفاديا لنزيف العملة الصعبة وقضية التبني التي أدرجها في التشريع التونسي سنة 1958 وغيرها من القضايا الحساسة فيقول لنا صاحب الكتاب : " إن بورقيبة كان يرمي إلى إصلاح شامل فلم  يسلم من سلاحه النقدي ومنهجه الإصلاحي لا القضاء  ولا المرأة ولا التعليم ولا العبادات" ويعرض المؤلف سلبيات المشروع البورقيبي وتظهر على مستويين : الأول يتعلق بالوسائل والثاني بالنتيجة.

بالنسبة إلى الوسائل، اقتدى بورقيبة طريقة أحيانا تتسم بالتهكم والتهجم على معاني القرآن وعلى حصصه أو السيرة النبوية أو شخصية النبي وهذه الجوانب كانت فرصة لتنعته بعض الأوساط الدينية بالكفر ، إلا أنني أفهم من عدم دخول المؤلف في تفاصيل هذه القضية أن هذا لا ينبغي أن يعتبر من صميم المشروع البورقيبي بل أمور عرضية لعلها ترجع إلى ميل الرئيس إلى الاستفزاز والتجرؤ على المألوف والموروث.

بالنسبة  إلى النتيجة يرى المؤلف أن بورقيبة أراد - كما ورد في الصفحة 166 – أراد  من موضوع المرأة أن يكون  رأس الرمح في مشروع الإصلاح دينيا واجتماعيا غير أن مجريات الواقع الاجتماعي أثبتت كم بقي هذا الرأي متعاليا وأسيرا لقوة القانون وليس كما أراده بورقيبة  أن يتحول إلى عقلية أي إلى جملة من الأنماط السلوكية الذاتية التي تستمد قوتها من الالتزام الشخصي ولا من الإلزام والإكراه المؤسسي ، ويرى أيضا أن المشروع بقي سجين الفضاء التونسي محدود التأثير فيقول : " لقد عجز هذا الخطاب أن ينفذ إلى آفاق أبعد في العالم الإسلامي وبقي خطابا مرتبكا ضعيف الأثر نظرا لعدم قدرة النخبة الدينية التي أوكل لها بورقيبة هذه المهمة أن تدافع عن هذه الرؤية".

 وربما نختلف في هذه النقطة ، إذ  لا أظن أن المشروع البورقيبي - وخاصة في مسألة المرأة - بقي متعاليا وأسيرا لقوة القانون بل الحقيقة أن مجلة الأحوال الشخصية كان لها التأثير الملحوظ في العقلية المدنية والرؤية العامة للمجتمع التونسي  حول مفهوم السلطة والتربية والعلاقة الزوجية وحرية المرأة. وفي هذا المضمار جدير أن نلاحظ أن المشروع البورقيبي متواصل اليوم وقد قامت الدولة التونسية بعدة إصلاحات جذرية في ميدان العائلة والمرأة تنخرط تماما في روح الإصلاحات البورقيبية منها القانون الهام المؤرخ في 28 أكتوبر1998 المتعلق بإسناد لقب عائلي للأطفال المهملين أو مجهولي  النسب

ثانيا الصراع مازال متواصلا بين المحافظين على السلوك الاجتماعي العتيق والثورة التي أدخلها بورقيبة على العقلية المدنية وعلى القانون معا. نشاهد ذلك في انقسام فقه القضاء حول مسائل هامة منها تزوّج المسلمة بغير المسلم ومنها التوريث مع اختلاف الملّة، فجانب من القضاء يحكم طبقا للرؤى الشرعية ويؤول مجلة الأحوال الشخصية على ضوئها وجانب آخر يرد أحكام مجلة الأحوال الشخصية إلى مناخها الحديث فيحكم طبقا لمبدأ المساواة الدستوري وطبقا لمفاهيم المواطنة الحديثة وللمعاهدات الدولية التي أبرمتها تونس والمتعلقة بعدم التمييز على أساس الجنس.

وبالنسبة إلى تأثير مجلة الأحوال الشخصية على المستوى الخارجي فجدير بالذكر أن المجلة كانت ولم تزل معيارا تعتمده جميع الحركات التحررية في شمال إفريقيا وغيرها و تطالب بتحويل قوانين العائلة على منوالها ، من ذلك أن تحويرا مهما جدا أدخل على المجلة المغربية  سنة 2004 . وحتى وان كان تأثير مجلة الأحوال الشخصية غير مباشر وغير مصرح به فإن تأثيرها غير المباشر تأثير ملموس.

فإذا كان هناك إخفاق، فالإخفاق الحقيقي في أن الرئيس بورقيبة لم يفهم أنه لم يعمل من أجل مشروع تحديثي متكامل يشمل قضايا المجتمع المدني ويشمل قضايا المجتمع السياسي، فإصلاح الأسرة يفقد معناه إن لم يتبعه إصلاح القيم السياسية ولا فائدة من تحرير المرأة دون تحرير الرجل في مفهومه لعلاقته مع السلطة وممارسة الحكم وعلاقة الدولة بالمواطن، فالتناقض الحقيقي يكمن في أن الرئيس بورقيبة كان يرى أن الشعب غير متهيئ لممارسة الديمقراطية، فإن كان كذلك نسأله كيف يكون متهيئا حول تغيير مفهومه حول الأسرة والمرأة والطفل ولم يكن متهيئا حول تغيير مفهومه حول الممارسة الديمقراطية ؟.

أراد الرئيس بورقيبة أن يبدّل الأنماط الاجتماعية الأسرية وفي نفس الوقت تبنى أنماطا قيميّة رثة ترجع إلى المخزون الثقافي القديم من شخصانية الحكم وإطلاق يد الرؤساء واستعمال العنف السياسي وحصر المجال السياسي في الحزب الواحد أو شبه الواحد وإفراغ الساحة السياسية من قدرتها الحياتية وإرجاع كل إنجاز إلى حكمة الرئيس الفذ وعبقريته وفي آخر المطاف إلى جعل الحكم محل تلاعب وزحمة بين الحاشية وذوي الأبعاد النفعية و طموحهم الوحيد أن يبقى المحامي رئيسا مدى الحياة كي يبقوا معه ينتعشون ويتمعّشون ،هنا الإخفاق أدّبنا على آداب الأسر الحديثة ولم يؤدبنا على آداب المجتمع الحديث.

حضرات السادة والسيدات مهما يكن فإن كتاب لطفي حجي مساهمة قيّمة لا في تحليل البورقيبية وحسب بل في التأمل في تاريخ تونس الحديث ومن ورائه في التأمل في وضعنا الراهن وفي الأزمة السياسية المستمرة التي تعيشها البلاد العربية من جراء إخفاقها في مواجهة الحداثة والسلام عليكم .

 

عدنان منصر : تصور البورقيبية لمسألة الأمة وقضية الهوية

لم أدرس تصور بورقيبة فقط بل البورقيبية باعتبارها لم تكن نتاج بورقيبة فقط بل ساهمت فيها النخبة التي أحاطت به في الحكم سواء كانت مثقفة أو نخبة حاكمة فعندما نقول نخبة وطنية مثقفة نقصد النخبة التي تبنت البورقيبية وطورتها وأعطتها الكثير من الزخم للفكر البورقيبي.

وقد استغرقت قضية العلاقة بين الدولة والأمة جانبا كبيرا من الجهد التنظيري لهذه النخبة غداة الاستقلال بالخصوص وإن بدأ التفكير حول هذه المسائل خاصة منذ ظهور أول الفضاءات الفكرية من  سنة 1954  تقريبا عبر مجلة الندوة التي تلتها مجلة الفكر وهذه النخبة بقيادة بورقيبة ستنيط بالدولة ليس مهمة إنشاء مؤسسات الدولة فقط أو عقلنة التصرف الإداري وإنما خاصة إنشاء نموذج جديد من الأمة عن طريق مجهود سياسي وثقافي وتعليمي وقانوني متناسق يسند ويبرر الواقع السياسي الجديد المتسم بسيادة الدولة القطرية، ويشكل سدا منيعا في وجه الخيارات العروبية أو الإسلامية التي كان يعتبرها بورقيبة أكبر تهديد لنموذج الدولة الحديثة.

 من هنا يأتي الدور الكبير الذي أسند للمدرسة وللنظام التربوي في صيرورة إنشاء أجيال جديدة تؤمن بهذه العقيدة الوطنية الجديدة وبالفعل فدستور سنة 1959 ضبط هذه الخطوط العامة لهذه الأمة التونسية فجعل حدودها سياسية وليست ثقافية.

ويمكن القول عموما إن تصور بورقيبة للأمة ينطلق من نظرية الدولة لديه ويمكن تلخيص المبادئ  العامة

لهذا التصور في ثلاث نقاط رئيسية:

النقطة الأولى:

 إيديولوجيا الدولة الوطنية تعتبر الدولة أداة التغيير الرئيسية إن لم تكن الوحيدة في المجتمع وشيئا فشيئا سيتطور الأمر إلى قلب العلاقة النظرية القديمة التي تعتبر الدولة نتاجا للمجتمع الذي يصبح بدوره  نتاجا لها.

النقطة الثانية :

 مجهود الدولة الوطنية كان يرمي إلى خلق" أمة متجانسة وموّحدة " فكان منطقيا أن تكون النتيجة القضاء على كل هيكل تقليدي وسيط بين الدولة والفرد أو بصيغة أخرى القضاء على كل عصبية منافية للعصبية الجديدة التي أرادت الدولة إنشاءها وهي العصبية للدولة أو العصبية للدولة الأم ، فضرورات البناء الوطني كما تتصورها النخبة الوطنية كان يتضمن تحييد كل الهياكل المستقلة ذلك أن الأمة يجب أن تبنى في نظر بورقيبة من الأفراد لأن الفرد الذي  لا يكون مواليا لأية  مؤسسة أو عصبية من السهل على الدولة أن تقحمه في مشروعها الحضاري الجديد وهو إنشاء الأمة.

النقطة الثالثة:

لا يتصور بورقيبة  إنشاء  الدولة إلا على أساس قومي أي وطني. فالأمة هي التي يجب أن تسند قيام الدولة، ولكن في نظره هذه الأمة غير موجودة و من هنا يأتي الدور الطلائعي للحزب كهيكل يضم نخبة الشعب عن طريق مزج عناصره المشتتة في وحدة منسجمة. فبورقيبة كان يعتبر دائما الحزب طليعة الأمة أي أمة مصغرة تتجاوز مهمتها المراحل الآنية لتبلغ هدفا أرقى وهو خلق أمة حقيقية منسجمة وموحّدة تقضي على التنافر بين الأفراد.

هذه هي النقاط الرئيسية التي ينطلق منها تصور بورقيبة للدولة والأمة وللهوية كتابع لتصوره للأمة.

إن قومية بورقيبة وطنية وقطرية بالأساس، وهي أيضا على ارتباط بمفهوم وهو مفهوم الأمة ونجد أنه في بعض الخطب لا يستنكف من الحديث عن أمة إسلامية أو أمة عربية خاصة في الخطب التي كانت تلقى بمناسبة المولد النبوي الشريف بالقيروان، لكن في أغلب الحالات الأمة التي كان يتحدث عنها بورقيبة هي الأمة التونسية، ويجد لذلك تبريرا وهو أن النخبة التونسية وضعت لنفسها بعد خروج المستعمر مهمة ذات أولوية وهي بناء الدولة الذي يتم بالموازاة مع بناء الأمة.

الأمة هنا لا تشكل معطى في الواقع وإنما هي حالة كامنة وفي أفضل الحالات مشروع في طور التحقيق فالمقياس الأساسي للأمة في نظر بورقيبة هو الدولة، ولا يمكن أن تتحقق بدونها وهو هنا يتبنى بشكل كامل تقريبا مفهوم الدولة القومية كما ظهر في أوروبا وخاصة في فرنسا يدفعه في ذلك تكوينه السياسي والفلسفي الليبرالي وعلى قناعة أساسية مفادها أن انحطاط الأمة العربية والإسلامية يعود أساسا إلى عدم استنادها إلى دولة حديثة ومركزية وفقا للنموذج الأوروبي ، وهذه الفكرة ستؤهله لتبني مواقفه المعروفة من الوحدة العربية وهو ما سيؤدي إلى ترسيخ معنى مختلف وأحيانا مناقض للوحدة القومية بمفهومها  غير القطري أي الوحدة العربية أو الوحدة الإسلامية ..

فبورقيبة حين يتحدث عن القومية فهو يعني القومية التونسية أو الأمة التونسية وفي هذا السياق بالذات  يبدو أن بورقيبة كان  شديد الحرص على تدعيم الصفة القطرية للقومية التونسية أو الأمة التونسية مما كان يعني أيضا إعادة صياغة الهوية التونسية في قالب سياسي وقانوني قطري يحررها من احتكار البعد العربي والإسلامي كبعدين مؤسسين لها، وقد بدأ هذا المسار منذ الشروع في إعداد الدستور التونسي الصادر سنة 1959 فالأمة بالمعنى الوارد في هذا الدستور هي الأمة التي عبرت عن وجودها كشعب مناضل من أجل التحرر والاستقلال وهي الأمة التي  تتشكل بعد الحصول على السيادة التامة بفعل الدولة التي تحدد أحكام الدستور كيانها وصورتها .

 ويشير دستور سنة 1959 إلى الأمة العربية بتعبير الأسرة العربية ويحتفظ بتعبير الأمة للأمة التونسية وهذا الدستور لا يكتفي بتغيير معنى الأمة فقط وإنما حتى لفظ  قومية يتغير معناه ،  فتصبح القومية التونسية معوّضة للقومية العربية فنجد أن جميع  مؤسسات الدولة الوطنية تستعمل لفظ  قومية كمرادف للفظ  وطنية مثل " الشركة القومية للسكك الحديدية التونسية " وغيرها.

والحقيقة أن بورقيبة قد اكتفى في هذا المجال بوضع المبادئ للثقافة الجديدة المراد ترسيخها لدى الأجيال الشابة والتي يعتبر أنها الضامنة لاستمرار مشروع الدولة الوطنية في المستقبل  في حين قامت أطراف أخرى بصياغة هذه الثقافة الجديدة وإعطاء إيديولوجيا الدولة الوطنية بعدا أعمق. إذ  كانت هذه النخبة- التي نشأت في الصادقية وعايشت أهم مفاصل مسيرة التحرر الوطني واطلعت بحكم دراساتها العليا على ما كان يعتمل داخل الثقافة الأوروبية عموما والفرنسية منها بالخصوص غداة الحرب العالمية الثانية - كانت صاحبة مشروع جنيني عبرت عنه منذ الأعداد الأولى من مجلة الندوة وخاصة مجلة الفكر وهو مشروع التونسة أو " صيرورة  تأصيل الكيان الوطني "  وعني بالتونسة التأكيد على محتوى العقيدة الجمعية الجديدة المراد ترسيخها لدى التونسيين وهو ما سيسمى في المرحلة الموالية  بالشخصية التونسية قبل أن تتحول إلى الهوية التونسية ثم إلى الأمة التونسية.

 من أهم  من طور هذه النظرة للأمة وللقومية التونسية نجد رمزين هامين هما محمد مزالي والبشير بن سلامة خاصة في مجلة فكر.

فالسيد محمد مزالي لاحظ من خلال استقرائه لتاريخ الشعب التونسي أن هناك خصائص كبرى تجمع بين أفراد هذا الشعب وتجعله يكوّن أمّة بالمعنى الكامل وهذه الخصائص لخصها  ما أسماه بالقاعدة الروحية ذات المنبع الشرقي وجدلية العلاقة بحضارات  شعوب البحر المتوسط  والتي تجسمت عبر القرون تارة عبر الاحتكاك السلمي وطورا في التصادم الحربي إذن هناك صبغة متوسطية للهوية التونسية من هنا استنتج أن تونس والشاهد له " ليست مجرد فرع من أصل بل إنها وطن متميز له كيانه المعروف وحيزه الجغرافي المضبوط  وإن دينها الإسلام معتقدا وحضارة وتراثا وسلوكا ونمط حياة ونظرة إلى الوجود  وإن لغتها العربية الركن الركين للشخصية الوطنية والعنصر المتين للذاتية القومية "

غير أن طبيعة السجال الإيديولوجي والسياسي الذي عرفته تونس بين دعاة التشريق ودعاة التغريب جعل مهمة منظري الذاتية التونسية  صعبة نوعا ما فإذا كان من اليسير نسبيا على هؤلاء مجابهة دعاة التغريب فإن مواجهة الخصوم الآخرين لم يكن بذلك اليسر، من هنا فإن التمسك بالثقافة العربية وبالدين الإسلامي كمكونين أساسيين لتلك لشخصية التونسية كان يرمي إلى رد تهم الفئات القومية والأطراف التقليدية التي شكلت في هذه الفترة و خاصة قبل هزيمة جوان 1967 عهدها الذهبي وذلك بسعي الدولة الوطنية في تونس إلى الخروج عن دائرة الانتماء الحضاري العربي الإسلامي.

 أما السيد البشير بن سلامة فيؤكد على نفس المبدأ  في التعامل مع  الانتماء العربي الإسلامي بما يسميه بالأمة التونسية فهو يرى أن تأكيده على ما أسماه الشخصية التونسية هو تأكيد لوجود أمة تونسية دون أن يعني ذلك مطلقا أي استنقاص من أهمية انتساب هذه الأمة إلى الأمة العربية فالعصر أضحى عصر وطنيات ، كما يقول ، والوطنية أصبحت العصبية الجديدة التي تقوم عليها الأمم . و انطلاقا من هنا سعى البشير بن سلامة إلى إثبات فرضية وجود الأمة التونسية باعتبار توفر الشروط الأساسية التي تتمثل في أربعة شروط.

* وجود إرادة جماعية للعيش عيشة مشتركة .

* القدرة على تكوين الهياكل اللازمة كأمة قائمة الذات .

* توفر نوع من الثقافة .

* قدرة الشعب على أن يحكم نفسه بنفسه.

وفي مؤلفه الهام "الشخصية التونسية خصائصها ومقوّماتها " - والذي لا يمكن دراسة هذه المسألة دون الرجوع إليه - يرى البشير بن سلامة أن توفر هذه الشروط لا يعفي من التعامل مع بعض الخصائص السلبية في الشخصية التونسية وخاصة الصراع الجدلي والمستمر بين ما أسماه روح المقاومة المستمرة وروح التعاون والمؤالفة فهو يرى أن الحضارات التي شهدتها البلاد لم تكن لتنشأ وتستمر لولا وجود روح التعاون والمؤالفة مما سهل على سكان البلاد التونسية هضم ثقافة الغزاة وجعلها جزءا من بنائهم الحضاري، غير أن روح التعاون والمؤالفة ستصطدم دائما بظاهرة أخرى وهي التخريب والتهديم وروح الفتنة والتناحر وتقويض البناء عندما يشيد وتظهر مزاياه ولا يمكن في نظره أيضا أن تشذ دولة الاستقلال في تونس عن هذه القاعدة الأزلية حيث ستجد نفسها وهي تسعى لترسيخ روح التعاون والمؤالفة وتكوين

" دولة قائمة الذات منيعة قادرة على إنشاء حضارة متميزة خلاقة آثارها باقية على مر الدهر " ستجد هذه  الدولة نفسها في صراع مستمر ضد روح المقاومة والمناوءة التي لن تأخذ في العهد الجديد بعد الاستقلال لباس النعرات القبلية مثلما حدث في الماضي بل ستعود في شكل جديد " في صورة أخرى قاتلة مخرّبة " مثل الانقلاب العسكري أو التمرد  أو المعارضة" المعارضة الهدامة" من هنا يتضح  لنا بعد هام في نظرية الأمة التونسية في علاقاتها ببرامج الدولة الوطنية كما اتضحت لدى منظري  هذا المفهوم الدولة الوطنية إنما تضع نفسها في مسار البناء والإنشاء و المدنيّة والحضارة في حين أن  جميع الأخطار الداخلية التي تسعى لتقويض مجهودها لا يمكن أن تكون إلا من إحياءات روح التهديم والتخريب أي أن الدولة الوطنية والنخبة المشرفة على حظوظها في سعيهما لترسيخ روح التعاون والمؤالفة ستعتبر أن كل معارضة تهديد لذلك المسار من هنا فإن إزاحة هذه المعارضة المهددة للمشروع الحضاري للدولة الوطنية إنما هو إقصاء لغريزة المقاومة التي تصبح في هذا السياق تخريبا ووندلة.

وفي هذا السياق النظري بدأت بالبروز إيديولوجيا الأمة ثم بعد ذلك إيديولوجيا الوحدة القومية التي ستنقل الأمة شيئا فشيئا إلى أن تصبح إحدى مكونات الدولة الوطنية.

 وهكذا مرت الايديولوجيا الوطنية من ايديولوجيا تريد إثبات وجود أمة تونسية إلى ايديولوجيا تسعى إلى تكتيك مشروع حول الدولة الوطنية ونخبتها الحاكمة فتحولت تلك الايديولوجيا بالتدريج من تعبير محتمل عن مشروع حضاري إلى ايديولوجيا نظام حكم.

 من هنا اتخذ هذا المفهوم، خاصة مفهوم الوحدة القومية، صبغته الاصطلاحية ومغزاه الايديولوجي بوصفه أصبح جزءا من سياق التبرير سياسة طرف معين أمسك بمقاليد الدولة الناشئة وأعلن أنه المؤتمن على مشروعها التحديثي . وبالفعل فإن الدولة الوطنية عملت - في إطار مجهود دعائي قوي سخرت له كلما كان متاحا لها أدوات التأثير وقنوات الاتصال وخاصة الإعلام والمدرسة - عملت على احتكار التحدث باسم الأمة وادعاء تمثيلها والدفاع عن وحدتها المهددة باستمرار.

مداخلة السيد أحمد ونيس

باسم دار الجنوب للنشر ورئيسها السيد محمد المصمودي الذي تعذر عليه الحضور بيننا لوجوده بالخارج أتقدم بالشكر الجزيل إلى منتدى الجاحظ والأخ صلاح الدين الجورشي لعقد هذه الندوة الفكرية الهامة التي نعتبرها أول ندوة  تنعقد في تونس بعد الندوة التي  نظمتها المؤسسة الفرنسية المتخصصة  في الدراسات المتوسطية في مدينة  أكس أن بروفانس بفرنسا منذ ثلاث سنوات والتي تكلم فيها العديد من المفكرين التونسيين منهم لطفي حجي و عياض بن عاشور وغيرهما ، وبعضهم معنا في هذه القاعة . ونحن  نعتبر أن التركيز على هذه الأغراض التي يتعرض لها لطفي حجي في كتابه والتركيز على شخصية بورقيبة كمناضل وكمصلح وكرجل دولة وكمفكر تندرج ضمن مطلب أكيد وملح في المجتمع التونسي ، و بصفتنا دار نشر نلاحظ هذا بصفة مباشرة ، إذ بعد صدور الكتاب اندهشنا لإشعاعه  في المجتمع التونسي ، وهذا الإشعاع المدهش يدل حقيقة على أنه ليست لنا  أزمة في الكتاب أو في النشر وإنما لنا أزمة في أننا لا ننظم اللقاءات الثقافية والفكرية بكل حرية ولسنا قادرين على إعداد هذا التحليل وهذا الفهم لأوضاعنا وللصراع القائم في المحيط الذي نعيش فيه بصفة منطقية واجتماعية. ولعل منتدى الجاحظ يساعدنا على تلبية هذا المطلب ، كما نسعى بصفتنا دار نشر إلى الاستجابة له  ونعتبر أن تونس قد خلقت بفضل نخبتها المفكرة في بحر الخمس عشرة سنة المنصرمة  حلقة فلسفية عقدت العديد من اللقاءات المكتوبة ولكن لم تحظ بلقاءات جدلية تجمع بين هؤلاء المفكرين والأساتذة والصحفيين حتى يتعاملوا مع واقعنا وينيروا أمرنا في التعامل مع حاضرنا ومستقبلنا ، وحتى في خلق هذه الساحة الفلسفية التونسية المكثفة فإننا نعجز عن الرقي بها إلى قطب فكري في الأمة الإسلامية، والمفقود في هذه النقلة بين الساحة الفلسفية التي يساهم فيها العديد من المفكرين : صلاح الدين الجورشي وعياض بن عاشور وعبد المجيد الشرفي ومحمد الشرفي ولطفي حجي وغيرهم من الأساتذة والفلاسفة ورجال السياسة نعجز عن الارتقاء بهذه القلعة الفلسفية التونسية الحائرة  والسخية إلى قطب إصلاحي في العالم العربي والإسلامي ذلك لأننا نفتقر إلى  رجالات في الأنظمة العربية والإسلامية من طراز الحبيب بورقيبة ، لأننا نفتقد أولئك المفكرين الذين يتعاملون مع الدين ومقومات السياسة بصفة المعاملة اليومية وإنما يواجهون ضرورة تفهم الواقع والتعمق فيه والقبول بالجدل معه وتجاوزه بقرار مصلح يؤسس إلى تشريع جديد وإلى النهوض بمجتمعنا فالمفكر يحتاج إلى مقومات التحليل ومقومات المطالعة الحرة ويحتاج السياسي إلى الاستماع إلى المفكر والمصلح والصحفي وجميعهم يحتاجون إلى الحرية في النشر والحرية في المطالعة والحرية في الجدل ولعلنا بندوات مثل هذه - إن تكررت وهذه رغبتنا - أن نتغلب على مثل هذه العوائق ونتغلب على الصراع من الزاوية الفكرية و ندخل إلى حقل الجدل الفعال والخروج بنمط فكري يساعد على التقدم والرقي .

شكرا للإخوان الذين ساهموا في هذه الندوة و أشكر لطفي حجي على مساهمته الجريئة وأذكر أن التجانس بين لطفي حجي والحبيب بورقيبة ليس من قبيل الصدفة فالحبيب بورقيبة كذلك كان صحفيا قبل أن يكتب أن يصبح مصلحا وكان قانونيا وكان حائرا على مجتمعه وكان رجل الوسط و لم يكن متطرفا. وعندما تطالع كتاب حجي، وعندما تستمع إلى مداخلته في مدينة  أكس أن  بروفانس حول بورقيبة تفهم حيرته التي كانت إلى حد ما حيرة الحبيب بورقيبة.

 

مداخلة الأستاذ لطفي حجي

أود في البداية أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى منتدى الجاحظ وإلى دار الجنوب للنشر على تنظيمهما لهذه الندوة وأتوجه كذلك بالشكر الجزيل للأساتذة الكرام الذين تدخلوا قبلي وما قدموه من مداخلات قيمة فلم يبق لي ما أضيفه خاصة وأن ما عندي قد ذكرته في الكتاب وأرغب في الإنصات إلى أفكاركم وملاحظاتكم  عساها تفيدني  في تنقيحه . لكني أعددت خمس نقاط سريعة أرجو أن توضح بعض الإشكالات:

 النقطة الأولى تتعلق بسؤال طرحته في بداية الكتاب: لماذا بورقيبة ولماذا الإسلام ؟ ولماذا هذا الكتاب ؟ وهو ما طرحه العديد من الأصدقاء والقراء، و ربما مبرر السؤال أنه بعد 18 سنة من تنحية بورقيبة عن السلطة  لم يعد الموضوع مجال بحث فلماذا إثارته  من جديد؟

فكرة الكتاب بدأت عندما توفي الزعيم بورقيبة سنة 2000 أجريت أنذاك حوارين: حوارا مع الأستاذ هشام جعيط و حوارا ثانيا مع الأستاذ احميدة النيفر حول محور المسألة الدينية عند بورقيبة لأني قمت بحوارات أخرى حول التوجه السياسي لبورقيبة فكان الاهتمام بالمسألة الدينية بحكم اختصاص الرجلين وقد تأكدت لنا ضرورة متابعة هذا البحث وكان طموحي أن أصدر الكتاب في الذكرى الأولى لوفاة بورقيبة لكني وجدت البئر عميقة  كما يقال ويتطلب الكثير من البحث فاستغرق مني أربع سنوات إلى  أن تم إعداد الكتاب سنة 2004 كما أن الرقابة قامت بواجبها مشكورة فعطلته سبعة أشهر.

لقد جاء الكتاب لأن المسألة تحتاج إلى بحث و لأنه ماعدا الشهادات التي تم تقديمها في مؤسسة التميمي للبحث العلمي بقي بورقيبة خارج البحث والنشر فالكتب والدراسات التي نشرت بعد وفاته  قليلة جدا  وهناك العديد من الكتابات الهامة لكنها لا توزع في تونس فبقي التعطش لقراءة موضوعية لتاريخنا السياسي.

النقطة الثانية تهم علاقة بورقيبة بالإسلام لأنها لم تكن علاقة عادية بل كانت معقدة  وإشكالية فالقضايا التي لامسها بورقيبة ماتزال محل بحث إلى اليوم لأن الكثير من الدول العربية - مثلما تفضل الأستاذ عياض بن عاشور وذكر- ماتزال تبحث عن مدونة خاصة بالمرأة  وتبحث عن التوفيق بين الإسلام  والواقع المعاصر وتبحث عن تأهيل تعليمها وفق المقاييس الكونية والتوفيق بين القضاء الشرعي والقضاء المدني وأصبحت هذه القضايا محل اهتمام وبحث أكبر بعد الحادي عشر من سبتمبر فالتدخل الأمريكي في المنطقة لم يعد تدخلا سياسيا فقط بل أصبح كذلك تدخلا يلامس الجوانب التعليمية والاجتماعية لإصلاح البنى الاجتماعية وتعلمون جيدا الدور الأمريكي في حث المملكة العربية السعودية  على إصلاح نظامها التعليمي وكذلك اليمن وبلدان عربية أخرى .إن هذه العوامل وغيرها هي مبررات وجدتها كافية للغوص في هذا الكتاب .

النقطة الثالثة بعد صدور الكتاب كثيرا ما يسألني الأصدقاء" كيف وجدت بورقيبة هل هو مؤمن أم كافر ؟" وأرى أن هذا السؤال لا يتعلق ببورقيبة وحده بقدر ما يتعلق بنمط ثقافي سائد عندنا ، فثقافتنا تجنح إلى الاستسهال وإلى التنميط ، نبحث عن الأجوبة السهلة حتى نجد الطمأنينة لنفوسنا وأنا وجدت بورقيبة غير قابل لهذا التنميط التقليدي هل هو مسلم أم كافر ؟ هل هو مع أتاتورك أم ضده ؟ مع العلمانية أم ضدها ؟

فهو يرفض هذا التنميط التبسيطي كما أنه لا يمكن من خلال بحثنا أن نضعه ونصنفه ضمن هذه المعايير التقليدية وأرى أن ثقافة التنميط هي التي حطت  من ثقافتنا لأنها تمنعنا من التعمق ومن العقلانية وتجعلنا نجنح بسهولة إلى تنميط الأفراد والتنميط يؤدي إلى الإقصاء والإقصاء يؤدي إلى القمع فأردت أن أخرج  بمواقف بورقيبة عن هذا التنميط .

وفيما يخص علاقة بورقيبة بالإسلام وهل هو ملحد أم مؤمن ؟ لقد خرج بورقيبة من هذه الأسئلة بذكائه السياسي فتعامل مع الموضوع الديني والمسألة الدينية من منطلق التوظيف بمعنى أنه لا بد لفهمه والخروج  عن التصنيف التقليدي لا بد من فهم قدرته على التوظيف كما وظف الكثير من الأشخاص والكثير من الأفكار التي تبناها خلال مساره السياسي.

 واستطاع أن يوظف الدين أيضا و قد وظفه بطريقتين مختلفتين:

الطريقة الأولى منذ بداية نضاله إلى سنة 1956 تاريخ الاستقلال وفي هذه المرحلة سميته بالزعيم المؤمن أي كان بمثابة الزعيم المؤمن الذي لا يريد أن يحدث أي تناقض مع المؤسسة الدينية التقليدية وربما من المفارقات التي لا يعرفها الكثير أن أول مقال كتبه بورقيبة في الصحافة التونسية كان دفاعا عن الحجاب  لا بما يدل عليه اليوم بل بشكله التونسي التقليدي أي  السفساري والتقريطة.. حتى في المصطلحات استعمل الحجاب لكن نجد في  محاضرة شهيرة وقفت إحدى التونسيات تدافع عن رفع الحجاب ففوجئ الحضور بدفاع بورقيبة المستميت ودافع عن الشاشية ووقف ضد التجنيس و لكن دفاعه عن هذه المواقف إيمانا منه بالشخصية التونسية التي كان يتحدث عنها الأستاذ منصّر لأنه كان يعتقد أن التخلي عن هذه الأشياء يؤدي إلى ذوبان الشخصية التونسية في الفرنسة لذلك كان لا يريد أن يحدث تنافرا في تلك الفترة بينه وبين المؤسسة الدينية التقليدية.

الطريقة الثانية فكانت في بناء الدولة الحديثة ويمكن أن نسميه بالرئيس المشاكس في المسألة الدينية بدأها بقوة وبجرأة من سنة 1956 حين سن قانون الأحوال الشخصية إلى موقفه المستفز من قضية الصوم إلى غيرها من المسائل كالتبني..

 وفي هذه المرحلة بدا التناقض جليا بين بورقيبة و وبين المؤسسة الدينية  التقليدية أو بينه وبين الفهم التقليدي للإسلام. لذلك كان بورقيبة - حتى يجنب نفسه هذا التصنيف مثلما صنفه الشيخ عبد العزيز بن باز وغيره من الشيوخ - كان يتحدث عن إسلامين وعن فهمين للإسلام إسلام عصور الانحطاط وإسلام التقدم إن شئنا أو الذي يمكننا من الالتحاق بركب الحضارة وهي من المصطلحات التي كان يستعملها .

فهو يريد أن يحطّم رؤية إسلامية سائدة ليبني مكانها رؤية وفهما آخرين. لذلك كان انتقائيا حتى في استعماله للآيات والأحاديث ، فكان يعتبر أن فهم الآية " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" فهم مرتبط بعصور الانحطاط الذي يحث المسلمين على القدرية والاستكانة للأمر الواقع في حين كان يستعمل آيات أخرى مثل " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم  ورسوله والمؤمنون " وليس من قبيل الصدفة أن جعلها شعارا لجريدة العمل أو للحزب  وكذلك الآية "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " كان  يستعملها من باب حث التونسيين والمسلمين على تغيير واقعهم . فنحن أمام مفهومين للإسلام مفهوم تقليدي يسميه مفهوم عصور الانحطاط مقابل مفهوم عصري يريد أن يغرسه في نفوس التونسيين.

النقطة الرابعة وأشار إليها سريعا الأستاذ عياض ووردت في الكتاب و هي مسألة دولنة الدين وربما هنا يكمن الإخفاق البورقيبي في تعامله مع الدين أي أنه بقدرما كان حريصا على أن ينشر فكرة جديدة تجاه الدين تختلف عن الفكرة التقليدية السائدة بقدرما احتكر القول في الدين أي أن الجهاز الديني كان تابعا للدولة تتحكم في التعيينات والأجور في كل كبيرة وصغيرة، احتكرت الدولة القول في الخطاب الديني و قد يكون هناك خطاب ديني على هامش الدولة ولكن الخطاب الصحيح والذي يفرض هو الذي تعتقده الدولة ،

ومن هذا المنطلق فالفكرة الإصلاحية  التي طمح إليها بورقيبة وعبر عنها ، ربما أعاقتها نسبيا أو كثيرا  إلى جانب احتكار الدولة - غياب مؤسسات كان يمكن أن تواصل العمل الذي قام به . فغياب مؤسسات مستقلة لها حرية التفكير وحرية القول الديني فبقدرما كانت هناك رغبة في تقديم رؤية دينية جديدة لم تكن هناك مؤسسات تحث على حرية القول الديني ولذلك كان هذا هو المأزق الكبير في التصور البورقيبي.

نقطة خامسة وفيها ألتقي مع الأستاذ عياض بن عاشور وهي وجود  حلقة مفقودة في الانتقال من السلطة الكارزمية المحتكرة إلى السلطة العقلانية القانونية في المشروع البورقيبي .

النقاش

*  الأستاذ صلاح الدين الجورشي :

حتى نمهد للنقاش وللجدل لي بعض الأسئلة:

1- هل يمكن الاكتفاء بخطب الرئيس بورقيبة دون الرجوع إلى ماهو خارج المكتوب ؟ وهل يمكن فصل الخطاب السياسي في المسألة الدينية دون ربط ذلك برؤية صاحب الخطاب للمسألة الثقافية والحضارية ؟ .

2- هل كانت أفكار بورقيبة ومواقفه وآراؤه في الإسلام واجتهاداته  تحظى بموافقة الدستوريين وإجماعهم  قبل أن نتحدث عن التونسيين مطلقا أو المقربين منه ؟

3- إذا كان لبورقيبة توجه إصلاحي  من داخل المنظومة الدينية - ولا شك أنه رجل الإصلاح - لماذا لم يترجم هذا التوجه الإصلاحي إلى سياسة تهدف إلى خلق مدرسة تونسية تجديدية في الفكر الديني ؟

4- ما هو الغالب عند بورقيبة هل المصلحة السياسية أم ماذا؟.

5- هل المطلوب - ونحن نستمع إلى هذا السياق الهام وقد أبدع لطفي حجي في مستوى التوثيق  وكان جريئا حتى بالنسبة إلى أصدقائه و الذين يعرفونه - هل المطلوب أن نشجع اهتمام السياسي بالمسألة الدينية وبالتالي نشجعه لكي يساهم في عملية بناء رؤية إسلامية تجديدية؟ وهل يعني ذلك التخلي ولو بشكل مؤقت أو تكتيكي عن مقولة الفصل الكامل بين السياسي والديني ؟

6- أخيرا هل يمكن فصل عملية التجديد في المجال الديني عن توفير الحرية في التعبير والتفكير؟ و هل يمكن إحداث نقلة نوعية في مجتمعاتنا في المجال الديني بدون أن نعطي فرصة للآخرين وخاصة الخصوم لكي يعبروا عن آرائهم ؟ وأطرح السؤال بشكل آخر لو أعطت التجربة البورقيبية فرصة لمعارضيها من التونسيين ألا يكون ذلك قد ساعد على خلق تفكير ديني تجديدي غير قابل للاختراق من خارج الحدود ؟

*  الأستاذ خميس الشماري

إن الحيرة التي تحدث عنها الأستاذ أحمد ونيس والأستاذ عياض موجودة وازدادت بعد أسئلة الأستاذ صلاح الدين الجور شي الذي قدم رؤوس أقلام تحتاج في الحقيقة إلى ندوات كثيرة وهذا أمر إيجابي .

إننا نستشعر اليوم  على مستوى الشعب التونسي الخطر الذي يمثله انتشار التيارات السلفية الوهابية .

والنقاش الفكري هام جدا ولكن هناك مسافة كبيرة بين الواقع وبين الفكر. إذ ذكر أحد الأساتذة أنه لا توجد  مسألة الأمة العربية ، و أنا لست من أهل الذكر لكن  بحسب علمي لا أعتقد وجود هذا المنزع . والتغيير الذي حصل في تسمية مجلس الأمة أو مجلس النواب مع السيد محمد مزالي دليل على ذلك .

  فنحن نعاني مشكلة كبيرة من المصطلحات فنحن نفكر في الدولة و ننطق أمة Nation

فالأمة لها محتوى ديني وهو غير موجود في التفكير العلماني

ولم يقل لائكي  Laïcisme pragmatique التنميط الذي تحدثت عنه تحدث مكسيم رودنسون قال :

أما في قضية العلمنة أنا أطعن فيها فقد حوصرنا في هذا المصطلح ونحن في حاجة ماسة إلى إبداع مصطلحات ومفاهيم جديدة عوضا عن الذي يفرض علينا.

أعود إلى كتاب لطفي حجي ، فاني أعتبره مساهمة قيمة ذات أفكار سديدة وأشاطر الأخ في تعقيبه حول موضوع المرأة وهو مهم جدا  وخلاصته أن بورقيبة حاول إصلاح الأنماط الاجتماعية الأسرية ونجح إلى حد ما ولكن في الجوهر بالنسبة  إلى القيم السياسية  لم يكن قادرا، بل لم  يكن يرغب في التغيير.

ثم انه في مرحلة معينة خلقت تجربة التعاضد أزمة.

وهناك داخل قيادة الحزب وداخل قيادة الدولة من فكر باللعب على الغريزة والفكر الديني ضد اليسار وهذه ليست تهمة بل هذا واقع  كما أنه ليس من الصدف أن يرخص لجمعية المحافظة على القرآن الكريم بعد أسبوع من محاكمتنا سنة  1968 ( مجموعة آفاق ) رغم أن المطلب قدم قبل عامين ونصف كاملة وهذا يعني أن هناك من أراد أن يلعب باليسار ضد الإسلاميين وأقول هذا بكل ثقة وقناعة  لأنني أعتبر أن هذه الندوة فكرية سياسية .

والكلام الذي سمعته من سائق التاكسي هذا الصباح والذي اعتبر أن والد بورقيبة يهودي وأن منداس فرانس حين جاء إلى تونس وقابل بورقيبة إنما كان لقاء يهوديا خالصا، هذا الكلام لم أسمعه  من القيادات الإسلامية لحركة النهضة بتونس ( وبهذه المناسبة أطالب بالعفو التشريعي وحقهم في التنظم وأعتبر أن هذا الموضوع أساسي  ويجب أن يطرح لأن هناك من يلعب بالنار اليوم ويغذي التيار الوهابي السلفي على أساس أنه لا يهتم بالسياسة ، فالكل يمارس السياسة حتى في الفضائيات: فقناة اقرأ تمارس السياسة وأنا أفضل أن أتحاور مع الشيخ راشد الغنوشي أفضل من أن يفرض علينا القرضاوي وغيره وهذا رأيي الشخصي بكل وضوح.)

أما قضية الأحباس فهي أساسية وهي من المواقف الجريئة لبورقيبة ، فحل الأحباس سمح بانتقال الملكية العقارية والدخول في نمط الإنتاج الرأسمالي وهو أمر أساسي في عملية الحداثة وهناك من لامني وهناك من يدعي أن بورقيبة قد قضى على المجتمع المدني بحل الأحباس فهل هناك مجتمع مدني في تلك الفترة ؟ يوجد مجتمع أهلي يتطور إلى مجتمع  مدني تدريجيا.

وفي الأخير أتساء ل هل  ساهم القضاء على الطرق والزوايا في نمو حركة الإسلام السياسي ؟

 

* الأستاذ أحمد الخصخوصي

 لست متخصصا في هذه المسالة ولست مؤرخا ومع ذلك فإني أثني على الأسئلة التي طرحها الأستاذ صلاح الدين الجورشي فهي عميقة ومفيدة وفي محلها.

للأسف فرض علينا دراسة بورقيبة انطلاقا من أبواب : بورقيبة والإسلام ، بورقيبة والسلطة ، بورقيبة والمحامين إلخ ...لكن أعتقد أن الحل من اجل الحصول على جواب شاف وكاف أن تجتمع عشرات الدراسات وتكون صادرة عن مراكز بحوث مستقلة وبعيدة عن التوظيف الظرفي والتوظيف السياسي حينها يمكن أن نتحدث عن بورقيبة ، ولطفي حجي يتحدث عن صعوبة تنميط بورقيبة ، في حين أن  المسألة ليست مسألة تنميط بورقيبة بل صعوبة وجود مقاربة تمكننا من فهم بورقيبة. فالبحث في موضوع "هل أن بورقيبة لائكي أم لا" لا يصل بنا إلى نتيجة ، فلابد من مقاربة واحدة وأعتقد أنه يجب دراسة بورقيبة في مختلف المراحل ومختلف الجوانب ( الإسلام ، المرأة ، التعاضد ...) قبل سنة 1956 دراسة دقيقة وبعد سنة 1956 وبعد سنة 1987 حتى نتمكن من النظر إلى بورقيبة في مرحلتين : قبل الاستقلال ثم بعده ، في الحكم وخارجه لنخرج بحكم تأليفي حول الرجل هل وفق أم لم يوفق ؟ كما أن الانطلاق من أشياء مكتوبة فقط لا يكفي كما أشار السيد الجورشي فهناك أشياء ذهبت بذهاب أصحابها.

وفي كل الأحوال لا يستطيع أحد أن يؤكد أن بورقيبة قد توّج حياته تتويجا متينا على غرار نلسن مانديلا أو سانغور... وهذه نماذج متقاربة وينتمون إلى نفس الجيل ونفس الثقافة و يحسنون اللغة الفرنسية ومع ذلك يوجد اختلاف بينها حتى لا نسقط الأحكام فمن قال انه مصلح ؟ هل أثبتت الدراسات العميقة أنه كذلك علميا وموضوعيا؟

 أتكلم وكل الأسئلة يجب طرحها بدون تابوهات وبعد أن تتم هذه الدراسات الشاملة والكاملة في مختلف المواضيع والميادين  ومن مراكز بحوث حقيقية لا كما يجري التوظيف الآن ، حينها فقط  نستطيع أن نجيب عن سؤال الأسئلة هل كان بورقيبة صاحب مشروع للإنجازأم كان صاحب مهمة للتنفيذ؟

*الأستاذ سامي براهم

إن هذه الندوة التي استدعى لها منتدى الجاحظ نخبة من التونسيين المهتمين بقضية بورقيبة والإسلام هي ندوة فكرية وليست ندوة سياسية بل إن منتدى الجاحظ يقوم نشاطه على اعتبار أن المقاربة السياسوية للسياسة هي التي قتلت الفكر وقتلت السياسة، وأن الفصل بين السياسة والسياسة الخاوية من الفكر هي التي قتلت العمل الفكري في تونس وهي التي طبعت السياسي بطابع تأملي فيه كثير من التشنج ومن العاطفة والحساسية التي لم تغب عن مقاربة علاقة بورقيبة بالإسلام.

السؤال الذي تطرحه هذه الندوة هو من صميم مشاغل منتدى الجاحظ وأهمية كتاب الأستاذ لطفي حجي وكتاب الأستاذ عادل منصر ليست في علاقة بورقيبة بالإسلام في حد ذاتها بل يهتم منتدى الجاحظ بالمسألة الدينية ومقاربة النص الديني وقد اشتغل على هذا المحور طيلة شهور وهذه الندوة نوع من التتويج و نوع من التطوير لما وقع عرضه طيلة أشهر فارطة.

محصل القول إن هذه الندوة ليس من مهامها الحكم لبورقيبة أو عليه،نحن هنا لا لمحاكمة الرجل أو تجميل أدائه السياسي ولا للقدح فيه، القضية الأساسية والمحورية وهاجسنا  مقاربة المسألة الدينية ؟ كيف السبيل إلى صياغة تأويل للنص الديني وأصول التشريع والمسائل الدينية والقضايا الدينية التي تمثل تجاذبا سياسيا بين الفرقاء السياسيين وبين النخبة السياسية والفكرية داخل المجتمع هذا هاجسنا وهمّنا الذي نشتغل عليه في منتدى الجاحظ .

وفي جوهر هذا الموضوع ماهي مقاربة بورقيبة للإسلام ؟ يمكن أن نختزل ذلك في جملة من النقاط

النقطة الأولى هي أن بورقيبة كان لديه إيمان راسخ واعتقاد وثيق  أن التحديث لا يمكن أن ينطلق من المؤسسة الدينية التقليدية ممثلة في الزيتونة هذا الاعتقاد محكوم بجملة من الملابسات وجملة من الظروف بعضها ذاتي وبعضها يتعلق بالشخصية المعرفية لبورقيبة.

 بالنسبة للجانب الذاتي أشار العديد من الدارسين أن بورقيبة القادم من الآفاق حسب تعبير أهل الحاضرة

 " البلدية " كان يختزن غبن أجيال من الأفاقيين الذين عوملوا من طرف المؤسسة الدينية  التقليدية أو جزء منها على الأقل بشيء من التحقير والإبعاد والإقصاء هذا الغبن كان يحكم موقف بورقيبة من المؤسسة الدينية الأرستقراطية هذا جانب مهم وهناك العديد من الدراسات في هذا الشأن لا مجال للتفصيل فيها الآن

النقطة الثانية  لم تكن ثقافة بورقيبة وعلاقته بالمؤسسة الدينية علاقة تشنج . فقد حاول في البداية أن يحتوي المؤسسة الدينية وأكبر دليل على ذلك أنه حاول أن يحتوي صوت الطالب الزيتوني ببعث مؤسسة أخرى هي كتلة الدفاع عن الزيتونة لاحتواء المؤسسة الزيتونية لجلبها إلى صفه لكنه فشل في ذلك فحصلت له قناعة متكونة من عدة معطيات لديه منها أنه لتطوير مشروع التحديث الذي كان يؤمن به لابد من إقصاء هذه المؤسسة وهذا هو الهاجس السياسي  في صياغة مشروع التحديث  حيث قام على إقصاء مؤسسة تتضمن في داخلها- بحسب عدة معطيات- تيارا تحديثيا تنويريا  كان بالإمكان للدولة الوطنية الناشئة - دولة الاستقلال - أن  تنطلق منه و أن تحاول  دعمه لإيجاد مشروع تحديثي شعبي له قاعدة شعبية واجتماعية  والغريب أن بورقيبة اعتبر المؤسسة الزيتونية ضد التحديث و لا يمكن أن يقوم داخلها تحديث فأقصاها ثم أقصى شقا من داخل حزبه عارض مشروعه فأقصى شقين أقصى الشق اليوسفي وأقصى الشق الإصلاحي الذي كان ينادي بالتغيير في أواخر الستينات، وكذلك أقصى اليسار.

فهو مشروع تحديثي مختزل في شخص ليس له قاعدة شعبية والدليل على أن هذا المشروع التحديثي كان مشروعا فوقيا أن جميع الإصلاحات التي قام بها بورقيبة لو درسناها دراسة سوسيولوجية إحصائية لتبين لنا الهوة الواسعة بين هذه الإصلاحات وما يحصل في المجتمع كدليل على ذلك تعدد الزوجات . فالعديد من التونسيين يعتبرون أن إلغاء التعدد هو مشروع وقرار ريادي  لصالح المرأة لكن لا يكون هذا التحديث قرارا سياسيا ليس له أساس شعبي أو اجتماعي ، والدليل على ذلك أن المقاربة السيسيولوجية  اليوم تؤكد أن التعدد غير المقنن واقع في تونس وظاهرة موجودة ولا أقصد بذلك النزوات العابرة في حياة الرجال والتعدد اليوم هو ظاهرة تحتاج إلى مقاربة سوسيولوجية مع دخول ثقافات غريبة عن الثقافة الدينية الإسلامية حتى التقليدية منها . فمنع تعدد الزوجات لم يكن من عنديّات بورقيبة ففي التراث الإسلامي الكلاسيكي هناك ما يسمى بفقه القيروانيات الذي  ضيق من التعدد إلى حد المنع ونحن نتحدث عن منع التعدد باعتباره مكسبا لكن هل الإصلاحات التي قام بها بورقيبة لإيمانه بدور الدولة (المختزلة في شخصه)  في التحديث ؟

التحديث  لم ينطلق من داخل المجتمع أو من داخل الحوار الاجتماعي أو من داخل التدافع بين مؤسسات المجتمع بل أعطى بورقيبة  لنفسه وظيفة التحديث ووظيفة التغيير وهذه المقاربة تحتاج إلى نقاش  إذ لا نريد أن ندافع عن بورقيبة أو أن نقدح فيه المهم فلسفة التحديث .  وبالنسبة إلي  إن الإشكال الخطير في  النهج الذي توخاه بورقيبة في التحديث أنه أفقد المجتمع التونسي مكسبا مهما جدا تأسس داخل التجربة التاريخية القديمة وهو الفصل بين الفقيه والسلطان . النخب القديمة والعلماء والمثقفون التقليديون ناضلوا من أجل الفصل المنهجي  والحدي والاجتماعي والمدني والقانوني بين المؤسسة السياسية ومؤسسة العلماء رغم أنه ليس هناك إكليروس و ليس هناك كنيسة لكن كانت هناك مؤسسات اجتماعية تنطق باسم التشريع ومؤسسة تنطق باسم السياسة.

 وما قام به بورقيبة هو أنه أقصى المؤسسة الناطقة باسم التشريع واكتسب هذا الدور بشكل قسري ، لقد قام بعملية تدمير للمؤسسات المدنية وللجمعيات وللأحزاب على مختلف توجهاتها والتي كان يمكن أن تقوم بدور التحديث واختزل جميع هذه الأدوار ففشل في الإصلاح وفي التحديث.

*الأستاذ ألعروسي الهاني

ما سأقوله قلته في الندوة التي عقدت في مقر الحزب الديمقراطي التقدمي يوم 7 جانفي 2005 : بكل أمانة وصدق وحماس أنا دستوري بورقيبي . ومنذ أسبوعين حاولت صحيفة الموقف – مع حجمها الصغير وإمكانياتها المتواضعة - أن تغطي ندوة استمرت ثلاث ساعات في نصف صفحة رغم أنها تمسح صفحتين لكن الغريب في الأمر أن يوم 11 جانفي حضر صحفي ملتزم في صحيفة عريقة لها 54 سنة واكبت الحركة الوطنية وكانت لسانها وهي "جريدة الصباح" وكان مناضلا و سجينا سابقا لكنه توجه توجها آخر ثم عاد وعفا الله عما سلف ، ما راعنا أنه عندما حاول أن ينقل بأمانة تدخلات الإخوان السبعة  ، خميس الشماري ومحمد القوماني ومنجي اللوز والعروسي الهاني ومحمد الصياح وسامي براهم والشيخ الكبير الطرهوني  ذكر خمسة باقتضاب ثم قال وحضر فلان وفلان ( الصياح والهاني)  فربما تلقى "المسكين" تعليمات  فلا يمكن أن يقول أي شيء ولكن أين الأمانة الصحفية و الأخلاق الإعلامية؟ .

ثانيا أحب النزاهة ولكن نسمع ونقرأ الكثير، ففي الأسبوع الفارط طالعت  مقالا في نصف صفحة للسيد أحمد الخصخوصي الذي كان نائبا في مجلس النواب فيه تحامل كبير على بورقيبة و من حقه ذلك وكذلك السيد أحمد بن صالح في ندوة مركز التميمي ، وكأن هذا المركز وكل الندوات التي عقدت فيه إنما غايتها مهاجمة بورقيبة ، وكأن بورقيبة لم يفعل شيئا حتى اختزل  أحدهم  35 سنة من تاريخه  من  سنة 1931 إلى سنة 1956 ثم إلى الجلاء الزراعي سنة 1961 في جملتين فقط " ما قبل سنة 1956 أكثر من 15 سنة سجنا ومنفى وإبعادا وغربة  وتعريفا بالقضية في مصر". يختزل هذه الفترة في كلمة واحدة فأين النزاهة ؟

والأخ الجورشي له توجهاته ولكن الكلمة التي قالها كانت رصينة وحكيمة لأنه يتكلم أمام تاريخ لا أمام عواطف وحسابات ضيقة: هذا يوسفي وهذا ضحية التعاضد والآخر ضحية المؤامرة وهذا لم يجد حظه... فنقع في التشفي في حين أنه  يجب أن نتحلى بالصدق والأمانة .

وما قاله السيد الشماري طيب وقد علقت على ذلك . ذكر أن "المغبون" الطاهر الحداد لم يأخذ حظه وهذا غير صحيح فبورقيبة حظر في الذكرى الأربعين لوفاته في نادي الطاهر الحداد وقال إن هذا الرجل عمل الكثير لكن لم يحن الوقت بعد ونظم له الحزب الأربعينية ودائما يذكره  بخير لكن الحكم ليس بأيدينا ولنا شخصيتنا وندافع عن الحجاب  لغاية ترسيخ الأصالة وعدم ذوبانها في الفرنسة والحكم الفرنسي .

كما أريد أن أشكر الأخ عياض على مداخلته لكنه كان مع بورقيبة  في البداية ، واستحسنت ذلك وقلت هذا هو الطاهر بن عاشور وطني ولكنه تراجع في النهاية وأقول هذا بكل صراحة لأننا دساترة تونسيون ووطنيون قبل كل شيء.

ففي السنة الفارطة كنت في فرنسا ووجدت أستاذا في الجامعة الفرنسية لمدة 36 سنة وسألني عما بعد ندوة مرسيليا سنة2001 فقلت له إني لا أعرف ؟ وقدم لي كتابا - فوجئت به و لم أجده في مكتباتنا التونسية- يتحدث عن مؤتمر بنزرت الذي انعقد في شهر سبتمبر سنة 1964 والذي تغير فيه اسم الحزب من الحزب الحر الدستوري إلى الحزب الاشتراكي الدستوري وتوجهنا التوجه الاشتراكي ووجدت صورتي في الكتاب بالفرنسية وعمري 21 سنة ووقع انتخابي وكنت أصغر الأعضاء سنا مع الطاهر معرف رحمه الله وفوزي بن حميدة .ووجود هذا الكتاب في فرنسا دليل على أنهم يهتمون بتاريخنا أكثر منا.

سألني الأستاذ هل تعلم ماذا سنفعل يوم 13أوت  سنة 2006 ؟ سنقوم بندوة في فرنسا بمناسبة مرور 50 سنة على صدور مجلة الأحوال الشخصية أي الثورة البورقيبية للمرأة . انظروا فيم تفكر فرنسا. وفي 6 أفريل من السنة الفارطة حضرت ومعي السيد محمد الصياح والبشير بن سلامة والعديد من الوزراء والمناضلين القدامي وتغيب أربعة وزراء فقط  (الله أعلم بالأسباب الكامنة وراء ذلك) وحضرنا تدشين ساحة في باريس 7 من أكبر الساحات وهي أكبر من شارع محمد الخامس بتونس العاصمة وانتظرت أن يحضر الرئيس شيراك .

 أريد أن أعقب على ما ذكره الأخ سامي براهم سابقا من أن بورقيبة تهجم على الرسول صلى الله عليه وسلم ، لا وألف لا فأنا أملك 21 محاضرة لم يكن بورقيبة مستمعا للإمام بل هو نفسه اعتلى المنبر وألقى خطبا كلها حول  سيرة الرسول الكريم ومكارمه  وجهاده والتنويه بشمائله.. فمن العيب أن نبرز سلبية واحدة ونتناسى العديد من الايجابيات. ففي محاضرة سنة 1974 ، عندما تحدث بورقيبة عن الأخلاق  وقيمتها في تربية النشء قال " اسمعوا ماذا قال محمد صلى الله عليه وسلم رسول البشرية " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" واستشهد بالشاعر أحمد شوقي :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 وبقي يكرر"ذهبوا" كثيرا.هذا يجب أن نقوله بأمانة وصدق. وحين نأخذ الجانب الديني الآخر فان  بورقيبة ماانفك يأمر ببناء العديد من الجوامع .كما أشير إلى  سلوك آخر تميز به بورقيبة وهو الزهد في الدنيا  وهذا علامة المسلم الحقيقي : فقد كان  له بذلتان لا أربعين بذلة . وحين ذهب إلى  فرنسا وفي حديقة لوكسمبورغ  القريبة من جامعة السربون التي درس فيها لم يستطع شراء جريدة ، فبورقيبة كان" نظيفا" فقد  مات ولا يملك منزلا ولا دينارا  ومات في دار الوالي فهو زعيم مخلص ويجب أن نقتدي بهذا السلوك وبفكر زعمائنا، وما يحدث مؤخرا في المغرب والجزائر دليل خير: ففي الأسبوع الفارط دعا  الرئيس بوتفليقة أحمد بن بلة - الذي وقع عليه انقلاب مع هواري بومدين - وكلفه برئاسة لجنة العفو الشامل التي ستنعقد وكلف أيضا الرئيس السابق الشاذلي بن جديد في إطار سياسة المصالحة .  وفي المغرب واكبنا جميعا ندوة الإنصاف والمصالحة التي عقدت مؤخرا.

* الأستاذة سناء بن عاشور

 لن أتدخل في المحاور المقترحة في هذه الندوة ولكن ما يمكن أن استخلصه من كتاب لطفي حجي كخلاصة  وبصفة عامة وقع إخفاق في التجربة البورقيبية التي هي تجربة إخفاق لماذا أقول هذا ؟ لن أعود إلى الماضي لأني لست مؤهلة للقيام بمقاربة تاريخية ، ولكن حين ننظر إلى المجتمع التونسي اليوم فإننا نلاحظ ما يمكن أن نسميه بانفصام الشخصية فنحن مذبذبون بين القديم الذي لا يريد أن ينتهي والجديد الذي لا يفي بوعوده ، وهذا ما نجده بحكم اختصاصي كقانونية ففي القاعدة القانونية التي تتأرجح بين الحداثة والتقليد بين الإسلام واللائكية ونحن دائما بين بين لذلك أتحدث عن الإخفاق لأن هذه الازدواجية ليس أمرا جيدا مما جعلنا نعيش في واقع لا نجد الكلمات والمصطلحات والمفاهيم لتسميته وتوصيفه و نريد الهروب منه ، وهذا موجود على المستوى القانوني والسياسي.

أما الخلاصة الثانية التي استنتجها من تقديم الكتاب والمداخلات السابقة فهو إخفاق ثان : إخفاق توظيف الدين في السياسة بشكل واضح فالتجربة تؤكد عدم معقولية توظيف الدين في السياسة فالأمر غير معقول بالنسبة إلى المؤمن وبالنسبة إلى السياسي .

 فالمؤمن يرفض أن  يؤول رجل السياسة  الآيات والأحاديث ويحتكر المرجعية الدينية. والسياسي يجد نفسه في مأزق لأن السياسة تفرض التفاوض، إذ لا توجد قاعدة منزلة أو غير قابلة للتفاوض وإلا لم تعد قاعدة سياسية.

أعود إلى ما قيل حول تعدد الزوجات لأنه يدعو إلى الغضب. فالدراسات حول التعدد موجودة وهناك دراسات بينت أن العدد لم يتجاوز واحدا في المائة من المجتمع التونسي  ونفس الشيء بالنسبة إلى المجتمع المغربي الذي لا يتجاوز العدد فيه  نسبة 2 في المائة ، فالقول إن منع التعدد كان مسقطا على مجتمع لم يكن قابلا له  أمر غير معقول خصوصا وأن الدراسات السيسيولوجية بينت أن المجتمع التونسي مجتمع متمدن  وأنه في المدن يقع التخلي عن التعدد بحكم ظروف العيش فيها.  

ثانيا من الناحية السياسية حتى وإن كنا نختلف مع الرئيس بورقيبة فنحن نريد الفهم والرئيس له دور هام في إلغاء التعدد  ونعلم كقانونيين أن الصيغة الأولى لمجلة الأحوال الشخصية  جاءت بالتعدد مع تقييده حتى لا يكون ممكنا في الواقع، أما الإلغاء فقد جاء فيما بعد بقرار سياسي من بورقيبة ويمكن أن نقدح فيه على أنه قرار شخصي ودون استشارة وغير ديمقراطي إلى غير ذلك.

 أما في مفهوم الأمة كما فهمه الرئيس بورقيبة: الأمة الوطن- الأمة القطرية فالمسألة لم تحسم بعد . وربما تلاحظون هذا حتى من خلال صعوبة الكلام بالعربية الفصحى في الوقت الذي نستحي أن نتكلم بلغتنا الأم أي الدارجة في حين أنني أتكلمها بطلاقة فلماذا ألزم بالكلام بالفصحى ؟ و نحن نعلم أنه إذا كان هناك جانب ثقافي يجب القيام به اليوم فهو احترام اللغة الدارجة كلغة إبداع كلغة ثقافية نتكلم بها بدون أن أقع في الانفصام بين ما أقوله وما أفكر فيه، ومن خلال المسألة اللغوية ومن خلال مسألة الوطن والقطر هناك تحقير للذات بشكل كبير.

الأستاذ عبد الرؤوف العيادي

لست عالما لسانيا ولكن أرى أن هناك فرقا بين اللغة واللهجة فهما مصطلحان مختلفان تماما وإذا تحدثنا عن اللغة فلغتنا هي اللغة العربية. 

أما بالنسبة إلى الكتاب فقد فوجئت عند قراءته لأنه كتاب تمجيدي تبريري يسوغ لما أتاه بورقيبة من انحرافات كبرى أدت لفشل ما يسمى البورقيبية.

بورقيبة مصلح ديني كيف ذلك ؟ في الحقيقة فوجئت بهذا الطرح لأنه يضعنا في إشكال لماذا لم يشع هذا المصلح ولم يخلق تيارا إصلاحيا؟ فبورقيبة في النهاية هو محرض له عدة خطب ولم يكن مفكرا أو رجل فكر.

ولم تكن له مرجعية إسلامية بل صنع لنفسه مرجعية فبني من خلال الصراع مع الناصرية وهذا يعلمه الجميع ولم تكن هناك بورقيبية  كان هناك الحزب الدستوري وكان له رفاق في نفس المستوى فصالح بن يوسف مثلا كان ينافسه لكن بعد أن تمكن من السلطة كل يريد أن ينعت نفسه فأصبحت هناك البورقيبية وماهي البورقيبية ؟ تقديم الأهم على المهم التي حرفها واستقاها من أدبيات حزب الوفد المصري  وسياسة المراحل .

بالنسبة إلى مسألة الإصلاح  فليس لبورقيبة مرجعية يتبناها لذلك حين انتهى بورقيبة انتهت البورقيبية لأنه مكث  تحت الإقامة الجبرية زهاء 13 سنة بدون حكم قضائي أي  تحت البوليس السياسي الذي ساهم في تكوينه هذا هو بورقيبة وهذه نتيجة البورقيبية.

أما مسألة الدفاع عن خطاب أريحا والدفاع عن الحجاب زمن الاستعمار، فهل المبررات التي ذكرت كافية؟ فمواقف حتى اليوم هي مواقف غير مقبولة أنظروا حالنا اليوم ماذا قدمت لنا هذه الأنظمة ؟ فنحن أمام كيانات سلطوية وأجهزة وليس لنا برلمان ولا قضاء وأتكلم باعتباري محاميا  فكلها أجهزة تخضع لأوامر البوليس السياسي و هذا ما وقع الحركة الوطنية إذ  فشلت في بناء دولة فليس لنا كيان حديث بهذا الإسم  وحين نتحدث عن الجزائر فجبهة التحرير الوطني لم يكن لها قائد لكن جميلة بوعزة وغيرها من الجزائريات نزعن الحجاب ونزلن  إلى ساحة الجهاد و لبسن مثل النساء  الفرنسيات وهذا موجود في كتب التاريخ فهل أن بورقيبة حين كان يدافع عن الحجاب كان صائبا في حين أن المناضلين في جبهة التحرير تخلوا عنه ؟

أما موضوع خطاب أريحا فيطول فيه القول. وأتساءل في النهاية هل الرؤى التي دافع عنها بورقيبة مؤطرة خارجيا أم لا ؟

* الأستاذ برهان بسيس

أشكر الصديق لطفي حجي  وأهنئه على صدور الكتاب سأحاول الإيجاز قدر الإمكان تلخيص المداخلة في تساؤلين أساسيين في إطار شيطنة بورقيبة وإطار إلباسه ذلك اللباس الملائكي الكامل على كل أشاطر المتدخل السابق حيث فوجئت بالنظرة الطهورية التي ألبسها زميلي لطفي حجي للسيرة والتجربة البورقيبية بحيث إن هذه الاحتفائية قد أفرغتها من أي نفس نقدي موجه لهذه التجربة خاصة في موضوع حساس من نوع علاقة البورقيبية بموضوع الهوية والإسلام تحديدا.

 أتساءل هل أن هذه الطهورية قد صنعتها واقعة الموت؟ أي أن  من يمت ينتقل إلى مستوى قدسي بحيث أن النظرة إليه تصبح خالية من أي نفس نقدي . أرى أن هذه الاحتفائية  تتجاوز الكتاب لتبلغ المشهد الحاضر هنا في هذه القاعة المحتفية حاليا ببورقيبة والتي أرى منها وجوها عديدة أثثت سجون بورقيبة وأثثت الدولة الباطشة التي أسسها ، هل أن هذه الاحتفائية بواقعة الموت ستكون ثابتا في قراءتنا لمعظم التجارب السياسية بما فيها التجربة السياسية الحالية  20 أو 30 سنة قادمة تمارس الميتافيزيقا دورها مع القائمين حاليا والموجودين بالحكم؟ هل يمكن أن نجد كتابا يتحدث عن الراهن بمثل هذه النزعة الاحتفائية ؟ أتساءل عن الخلفية السياسية والسوسيولوجية لهذه الاحتفائية ؟ ألا يمكن الاعتقاد اليوم أن البورقيبية أصبحت موضوعا للمنافسة السياسية ؟ و ندوة مدينة أكس أن  بروفانس الفرنسية تذكرني بنفس الخلفية ، فهل هي الصدفة السوسيولوجية أن تكون إكس المحتفية ببورقيبة هي نفس إكس المحتفية بالمعارضة التونسية التي تريد أن  ترسم نقاطها في شبكة نظام يعتقد أنه لم يعط لبورقيبة حقه لنظام أقصى بورقيبة وألغى جنازته من المشهد المرئي وكانت فضيحة وضعت في خانة هذا النظام من منطلق محاجة المعارضة له .

ثم هل خرجت الاحتفائية ببورقيبة عن إطار التعاطي النقدي الأكاديمي معه لتبلغ مستوى من المضاربة  السياسية؟

السؤال الثاني وهو موجه مباشرة للحديث عن الكتاب  تحديدا  بورقيبة والإسلام والذي لا يمكن أن يقصي  نصا آخر مهما في تقديري خارج إطار مقارعة للرموز المؤسساتية للإسلام : اليوسفية كتعبيرة سياسية إن شئنا والزيتونة كتعبيرة للإسلام  التونسي ، إذ  أقدر أن السيد لطفي حجي وقع في مضايقة في مقارعته للرقيب وأقصد جزءا هاما في الحديث عن علاقة بورقيبة بالإسلام وعلاقته  بالحركة الإسلامية ، الحركة الإسلامية التي شيع شبابها بورقيبة إلى مثواه السياسي الأخير ذات صائفة 1987 بشعار معروف كتب على الجدران وردد في مظاهرات الشارع " لا إله إلا الله بورقيبة عدو الله "  .

الحركة الإسلامية التي نشأت في بداية السبعينات من خلال الهيكلة الاجتماعية التي خلقها بورقيبة في رهانه على التعليم ، الحركة الإسلامية التي تخرجت من مدارس بورقيبة وجامعاته . ألا يشاطرني لطفي حجي في أسئلة برقية أن الحركة الإسلامية في تونس كانت في جوهرها  وصميمها في نهاية الأمر حركة بورقيبة   باعتبار أن المناخ الذي أنتجها  هو المناخ الذي أسس له بورقيبة في العمق من ناحية المراهنة على التعليم والمراهنة على الطبقة الوسطى باعتبار أن الحركة الإسلامية في معظم كوادرها ومعظم شبابها انحدرت سوسيولوجيا من هذا المنحى الاجتماعي والطبقي كطبقة وسطى ؟

السؤال الثاني الذي يتعلق بالصدام بين الحركة الإسلامية وبورقيبة ، هذا الصدام الذي لم يخل من براغماتية معيّنة ، عندما أطالع بعض تفاصيله ، أجد أن بورقيبة في الصدام الأول في بداية الثمانينات حلّه بنفس المتعة الأبوية  تقريبا ، بعد  رسالة  وجهها الشيخ عبد الفتاح مورو من السجن سنة 1983 أعلن بورقيبة العفو وانتهى الأمر. هل أن البراغماتية التي يرى لطفي حجي أن الرجل تعامل بها  مع الإسلام سحبت في تعامله الحركة الإسلامية؟ خاصة إذا سحبت على بعض المعطيات الغريبة فمثلا بورقيبة هو الذي أعطى جواز سفر ليوسف ندا الذي مثل الرمز المالي والأب الروحي لحركة الإخوان المسلمين العالمية وكان يتنقل من عاصمة إلى عاصمة بفضل جواز سفر دبلوماسي تونسي أعطاه إياه بورقيبة شخصيا بواسطة هي نفس الواسطة طبعا التي تدخلت لحركة الاتجاه الإسلامي في ذروة المفاوضات بخصوص يوسف ندا؟

ألا تعتقد أن بورقيبة تعامل ببراغماتية حتى مع موضوع الحركة الإسلامية لكنها لم تبادله نفس البراغماتية عندما خيرت المواجهة الشاملة معه سنة 1987 ؟

ثم ماهو تقديرك لمسألة الصراع الذي جمع بورقيبة والحركة الإسلامية ؟ والذي شكل ضوابط دراماتيكية سنة 1987 وحان الوقت لنحسم هذه المسألة لأنه جزء هام من النقاش حول المسألة واللائكية والعلمانية في تونس ، هل أن المسألة كانت صراعا عقائديا بين بورقيبة الذي  عادى الهوية وبالتالي ننتصر لتبريرات أدبيات نصوص الحركة الإسلامية التي تقول إن  صراعها مع بورقيبة كان صراعا من أجل الإسلام في تونس ؟ أم أنه كان صراعا سياسيا بين طرفين وخصمين سياسيين وبالتالي نبرر للاجتثاث البورقيبي سنة 1987 وقد نبرر للمحطة الثانية من الاجتثاث التي عرفتها الحركة الإسلامية في تونس سنة1991 ؟

* الأستاذ محمد القوماني 

أريد أن أشكر المتدخلين الرئيسيين في هذه الندوة كما أشكر الصديق لطفي حجي على المجهود الذي بذله في الكتاب الذي جاء في وقت مهم جدا وسأحاول أن أختصر ملاحظاتي في شكل برقي.

أبدأ أولا بملاحظات منهجية تخص هذا الكتاب وأركز على نقطتين:

 النقطة الأولى ما أسماه الأستاذ عبد اللطيف الهرماسي في الندوة المنعقدة  بمقر الحزب الديمقراطي التقدمي بالمنهج التفهّمي لماذا كان السيد لطفي حجي تفهّميا إلى حد التبرير في تعاطيعه مع بورقيبة على عكس تعاطيعه مع خصوم بورقيبة؟ فقد كان تبريريا للحالة التي كانت عليها المؤسسة الزيتونية ولوضع القضاء من إضفاء الشرعية والمشروعية على كل ما قام به بورقيبة.

وهذه التفهميّة خيار من الكاتب لكن عليه  أن يتوخى الموضوعية ويحرص عليها و لا ينزلق في التعاطف مع هذه الأفكار و ربما يتبناها وهذا شيء إيجابي ، لكن لا نقبل أن تصدر عن بورقيبة  في غير سياقاتها من ذلك أن نقول إن  المهم في الفكرة الإطار الذي تقال فيه فبورقيبة كان صائبا في الدفاع عن الحجاب وعن القضاء الشرعي  قبل الاستقلال وكان صائبا في مقاومته للحجاب والقضاء الشرعي بعد الاستقلال لكن كيف نحكم بذات المنهج  في نفس الوقت على خطاب بورقيبة في أريحا  فنعتبر أنه كان صائبا ونعزله عن سياقه  ونقيمه على أساس اتفاقيات أوسلو وما حصل لاحقا مع عرفات؟ فالسياق مختلف تماما ولا يمكن أن نقيّم موقفا سياسيا وننزع عليه صفة الرؤية الثاقبة بعيدا عن سياقاته وحركات التحرر الوطني في العالم آنذاك وعن المد القومي ولو كان بورقيبة في سنة 1996 أو  1997 لقال أكثر من خطاب أريحا وقال أشياء يقاومها كثير من الناس اليوم. 

النقطة الثانية وهي أيضا منهجية الاكتفاء بالنصوص فبورقيبة رئيس دولة حكم البلاد مدة ثلاثين سنة ويكاد يجمع الناس على قدراته وشخصيته وله أجهزة فلا يمكن أن نقيم ما فعله من خلال الخطب فقط .

 فإذا اعتمدنا فقط خطب أي زعيم عربي أو عالمي لأمكننا أن ننزع عليه أية صفة نريد . شخصيا زرت العديد من الدول العربية ورأيت تعليمات الرؤساء العرب حول الشفافية والرقابة وكأنك أمام تعليمات ملائكية لكن عمليا ماذا يفعلون ؟ ، فأنا أنظر إلى ما قاله  بورقيبة وما فعله لا لمحاكمته ولكن المشكلة كيف نستفيد من تلك  الفترة ؟ وهذا التمشي طبع بلادنا بشكل أو بآخر وأثر فينا ونحن أجيال تربينا على السياسات البورقيبية وربما هذا أساسي  لإصلاح الوضعية الحالية واستشراف المستقبل .

بعض المسائل التي ذكرها لطفي حجي مثلا مشروع بورقيبة المتمثل في إلغاء التعليم الزيتوني  وتعويضه  بكلية الشريعة وأصول الدين والتعويل على تعليم عصري مواز له بشكل كبير ماهي النتائج التي أفضى إليها ؟ أنا أقول انه كان بالإمكان من خلال  رؤية إصلاحية تجديدية أن تجدد الزيتونة نفسها من خلال الإطار الإيجابي السائد الذي كان يحمل نفسا إصلاحيا وتتطور إلى جامعة عصرية في العلوم الدينية وغير الدينية ، فإلغاء الزيتونة لم يكن مقبولا عند الكثير من التونسيين وهو الذي جعل الحكم الجديد في  7 نوفمبر1987 يعيد ولو بصورة من الصور اسم الزيتونة الذي كان.  لكن عمليا ماذا حصل ؟ نجد أن كلية الشريعة وأصول الدين التي أحدثت  لم تستطع أن تملأ الفراغ الذي تركته الزيتونة فليس لنا اليوم شخصيات دينية معتبرة في الوسط الشعبي ، ثم ماهو الخطاب الديني التجديدي الموجود من خلال الأئمة والوعاظ  والشبكة التي تؤطرها الدولة؟  أغلبه فكر تقليدي  وحتى الأشخاص أنفسهم لا يملكون في كثير من الأحيان التكوين الديني الكافي مما يجعل التونسيين يبحثون عن خطاب ديني آخر من خلال الفضائيات في المشرق ليقعوا في خطاب ديني سلفي موغل في أشياء عارضها بورقيبة .

أما في مسألة التعليم ذكر برهان بسيس منذ حين أن التعليم العصري الذي أسسه بورقيبة متهم أنه أنتج فيما بعد الأصولية وكان لا بد من مراجعة شاملة للتعليم لاستئصال بذور الأصولية  والمهم أن نقول إن  بورقيبة كان صاحب مشروع في المجال الديني ونقيمه من خلال النتائج.

نقطة ثالثة هل أن بورقيبة خاض صراعا فكريا ضد التيار التقليدي أم أنه أقصى هذا التيار واستعمل الأجهزة لفرض مناهجه في الحداثة  و هذا ما ذكره صاحب الكتاب ، فبورقيبة كان حاسما وكان يرى أن الإصلاح لا بد له من رجال يقومون عليه وهذه التجربة في الحقيقة عشناها في التاريخ الإسلامي مع المأمون والقضية معروفة  في فرض عقيدة معينة على الناس رغم مقاومتهم لها.

 في رأيي كان مهما لو تم صراع فكري بين رؤي تجديدية وأتيح للتيار التقليدي أن يبقى محافظا على هويته ويعبر عنها من خارج سلك الدولة أي ماذا لو أمكن للزيتونيين الذين تم إقصاؤهم أن تتاح لهم الفرصة في التعبير عن أفكارهم  وكان الصراع معهم فكريا ؟ لكنا في وضع أفضل مما نحن فيه اليوم . فالفكر المقموع يجد دائما تعاطفا كبيرا. ومازلنا في حاجة إلى صراع حقيقي  وليت كل الأفكار الإصلاحية الواردة في الكتاب تماشت مع تيار إصلاحي حقيقي يجعلنا نقول باطمئنان إن التونسيين يملكون رؤية  دينية تجديدية ونقول بكامل الاطمئنان إن  تعدد الزوجات ممنوع دينيا  وليس ممنوعا في القانون . فمن المهم أن يتبنى التونسيون رؤى في خصوص الأسرة والدولة وفي القضايا الحديثة بكامل الاطمئنان الديني .

 في خصوص مسألة الوطنية التي ذكرها الأستاذ عدنان منصر،يشعر المواطن بضرورة حماية الوطن،   لكن أعتقد أن المشكلة - من خلال خطب بورقيبة وخاصة في النصف الثاني من الحكم البورقيبي - أن البورقيبية أصبحت  تعني الحزبية وتعني الشعبة وأصبح العلم لا يرمز إلى الوطن بل إلى الحزب وهي مشكلة حقيقية فلا توجد رؤية وطنية حقيقية تجعل التونسيين جميعا ينعمون بخيرات هذا البلد  ويشعرون بالانتماء الكامل له حينها نكون قد حققنا أمرا مهما.

* متدخل:

 إن هذا الإطار المشحون بعض الشيء يؤكد أن بورقيبة رغم وفاته مازال يثير الكثير من الجدل والتساؤلات حتى عند أقلية من الشباب التونسي الذي له الرغبة والقدرة على الاهتمام بالشأن العام في  هذه الندوات وغيرها أو بالخصوص من خلال منتديات الحوار على شبكة الانترنيت التي بدورها تعاني من الرقابة ومع ذلك فهناك من الشباب من  يهتم  بقضايا هامة حول بورقيبة والعلمانية وتاريخ تونس ... وبصفة عامة ينقسم موقف الشباب من بورقيبة إلى موقفين :

يرى الشق الأول أنه رجل الدولة والزعيم السياسي لكنه كمثقف وصاحب مشروع كان مستبدا وأسس للعنف السياسي والاغتيال السياسي.

ويرى الشق الثاني أنه مصلح صاحب مشروع اجتماعي وثقافي تحديثي في طريقة تعامله مع الدين وأنه جسد أفكار الطاهر الحداد. لكن يبقى السؤال القائم الذي عبر عنه السيد خميس الشماري : هل نجح مشروع بورقيبة أم لم ينجح ؟ هذا السؤال سيبقى مطروحا فهناك اختلاف داخل المجتمع التونسي في تقييم تجربة بورقيبة ، فالحكم بفشل المشروع البورقيبي أو نجاحه أمر صعب نظرا للظروف التي نمر بها اليوم  والمتمثلة في انتشار التيار السلفي القادم من الخارج والمدعم من الفضائيات، و لا يمكن أن نحكم على المشروع الثقافي البورقيبي دون أن نرفع رهان تحرير المجتمع التونسي لأنه كما ذكر الأستاذ محمد القوماني كانت إصلاحاته فوقية  ويبقى نجاح المشروع البورقيبي رهين النخبة التونسية التي يجب أن ترفع هذا الرهان

*   رامي بن حمد

أعود للمداخلة السابقة فالسؤال اليوم ليس هل أن البورقيبية نجحت أم فشلت ؟ اليوم لا نهتم بالماضي إلا لإضاءة المستقبل و لأخذ الدروس من إخفاقاتنا التي لا نحملها على الزعيم وحده كما حدث  لخروتشيف في المؤتمر العام للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي حين انتقد ستالين قال له أحدهم وأنت أين كنت ؟ فأراد خروتشيف أن يعرف المتدخل الذي توارى عن الأنظار وسط صمت في القاعة فقال لو كنت مكانه لفعلت نفس الشيء  يجب علينا إذا أردنا الدخول في المرحلة الجديدة  علينا أن نعي أنه لن ننجح  بدون شراكة حقيقية وبدون  وجود شرائح المجتمع التي تنخرط في المشروع  و تصبح فاعلة فيه وتحاسب على السلبيات

والايجابيات . فمهما كان الزعيم بعبقريته ودهائه وشيطنته لا يمكنه أن يحقق المعجزات لأنه ليس إلها أو رسولا فهو بشر ونحن لا نريد تأليه بورقيبة ولا أوافق الأخ الخصخوصي في  أنه لا يمكن تقييم مرحلة بورقيبة إلا بالقيام بدراسات في مختلف المجالات فالأمر  يتطلب قرونا ثم نشرع  بعد ذلك في التقويم .

 فعلى الأجيال الحاضرة التي عاصرت بورقيبة أن تبدأ بالنقد الذاتي و يكفي من القدح التام أو المدح الدائم وأعتقد أن علاقة بورقيبة بالإسلام علاقة خاصة لأنه ليس ابن تيمية أو سيد قطب وهو كذلك ليس ارنست رنان وفي اعتقادي وهذا ما قاله لطفي حجي . فلتحقيق مشروع الحداثة أراد بورقيبة أن يؤسس نظرة جديدة للدين رغم وجود مثلا مدونة الإمام سحنون في القيروان  بالنسبة إلى تعدد الزوجات ونقر بوجود تقاليد حول منع التعدد لكن لم يكن هناك إشعاع خارج تونس وهنا أخفق  لكنه لم ي